الرُهابْ الفكري

September 5, 2011

عندما يتسلل الجُبن ليستبد على عقولنا و يتوج نفسه ملك عليها دون وجه حق، و عندما يطغى الجُبن ليقمع الأسئلة التي تبحث طريقها إلى النور، عندها يتمثل الخنوع في أخزى أشكاله. الخوف من الموت نكتة جميلة، لأن الموت قادم لا محالة، أما الخوف من الأفكار فهو أقل ما يقال عنه هو تسليم الحرية على طبق من ذهب لحاكمٍ مستبد. يقول البرفسور ريتشارد باول في كتابه (التفكير النقدي) “الرهاب الفكري، هو الخوف من الأفكار التي لا تتفق مع الأفكار التي يحملها الشخص المفكر.إذا كنا نفتقد إلى الشجاعة الفكرية، فنحن خائفون لإعطاء إعتبارات حقيقية للأفكار، المعتقدات، أو وجهات النظر التي فسرناها بأنها خطرة. نحن نحس شخصياً بالتهديد من بعض الأفكار عندما تتعارض بوضوح مع هويتنا الفردية – عندما نُحس بأن الهجوم على الفكرة هو هجوم علينا كأفراد.” من صور كسر الغرور هو التواضع للأفكار التي تهز و تستفز مبادئنا، ثقافتنا، ديننا، عاداتنا و تقاليدنا و كل فكرة تسكن في أدمغتنا، حتى نستطيع أن ننتقل من مرحلة لأخرى نستطيع أن نرد على أسئلة “لماذا؟”.أما إذا كنت تبحث عن أسئلة و أجوبة جاهزة، فأنصحك بأن تبتعد ان طريق الآخرين لأنك بالتأكيد تعطلهم !

أن الشجاعة الحقيقية هي مواجهة أنفسنا بكل وضوح و صراحة و تعري من البروتوكولات و الإعتبارات الإجتماعية، و حتى نصل لقيمة أخلاقية نقدية كهذه، كان لابد أن نتعلم و نُعلم أساساتها من الصغر. من وجهة نظري ، هناك أربعة عوامل مترابطة بصورة شمولية، تتفاعل لتشكل إطار قيمي و أخلاقي تُصنع و تُدور فيه الأفكار لتنتج منه الشجاعة التي نحتاجها لبناء تصورنا عن الكون و عن محيطنا.بالطبع ليس هناك إطار مُصمم ليكون مثالياً، لأن التغيير و النقص سُنة كونية، و نقد كل شئ ليس بالضرورة إظهار العيوب و الإيجابيات، و لكن من القيم المهمة التي يحملها الناقد الحقيقي، هو العدل في الحكم على الأفكار، الذي يشمل إختبار هذه الأفكار قبل الحُكم عليها.العامل الأول هو الإعتراف،و يمثل الأخلاق النبيلة و الضبط النفسي، فدون إعتراف حقيقي لفظاً و فكراً بما حصل على حقيقته، إستناداً على فهمنا الحالي، فلن نستطيع أن ننتقل إلى مرحلة أخرى لمعرفة تفاسير جديدة. عندما لا نعترف بحقيقية أفعالنا في المنزل و المدرسة و المجتمع و المحكمة، فنحن ليس فقط نهرب من النتائج المترتبة على أفعالنا، إنما نقوم بتعليم أطفالنا أو غيرنا الهروب من الحقيقية تحت غطاء تبريرات وهمية، و نعطي لأنفسنا شرعية للهروب مستقبلاً. ليس من الضروري أن تكون المعرفة في الحاضر، و لكن يوماً ما سيكون واقع اليوم تحت التمحيص مستقبلاً، فالذكريات و الماضي لا يموتان. عندما يعترف القاضي علناً بظلمه، و يعتذر المعلم عن تقصيره، و يتأسف الوالدان عن جهلهما، و يصبح الإعتراف بالخطأ أو الجهل أو الفكرة سلوك إجتماعي صحي و طبيعي، عندها نستطيع أن نتعلم من أخطائنا دون أي ضغط و هروب.
العامل الثاني هو السلطة الأبوية،و تمثل العدالة الإجتماعية و دورها الضبط و التنظيم، و هي سلطة تعطي صاحبها حق الحكم على الشخص أو الفكرة دون الحاجة إلى تبرير و إعطاء نهاية مغلقة للحوار. السلطة الأبوية ليس بالضرورة أن تكون حصراً على الوالدين، فقد يقوم بإستغلالها الأخت و الأخ، المدرسة و المحكمة، قانون الدولة و نظام المجتمع. تحت ضغط هذه السلطة يصعب التحرك بحرية و أمان، فالإحساس أن هناك رقيب لا يحتاج إلى تبرير آراءه و يستطيع التحكم في مصير الطرف الآخر يجعل الإعتراف و النقاش المفتوح مستحيل. مشكلة كهذه تحتاج إلى التواضع الفكري لمناقشتها و إلغاء فكرة المواجهة و المقابلة و هرم السلطة، و تغيير العلاقة لتصبح علاقة ند لند بغض النظر عن أي إعتبارات أخرى. هذا لا يلغي السلطة و أن هناك بعض القرارات تفرض التدخل و إتخاذ القرار، و لكن يجعل التبرير المنطقي و محاولة الإقتناع لازمة حتى ينتقل الطرفان لمرحلة أرقى في التواصل و زاوية جديدة للفهم. من العوامل المهمة في العلاقة بين طرف السلطة الأبوية و الطرف الآخر، الثواب و العقاب، فبدونه تسقط شرعية السلطة لإنعدام العدل و لسيادة الظلم و الفكر الآحادي.
و صديقتنا الثالثة التي نسمع عنها و عن جمالها و فتنتها كثيراً في الآونة الأخيرة، هي حرية الرأي، و تمثل الوجودية و الجمال المادي و المعنوي،و ليس بغريب بأنها مؤنثة، فدون أُم فالوجود عدم، و في العدم لا معنى للجمال. في المجتمعات الشمولية التي تنعدم فيها الحرية أو تكون مُقننة إستبداداً و دكتاتوريةً، يكون الإبداع و التجديد و الفن مجرد قيم تكميلية لأنها في النهاية لا تخرج من سجنها و إطارها. إفتقاد هذه القيمة متمثل في المدارس و السلوك الإجتماعي بصورة مُخيفة، ففي المدارس حصص الفنية تقتصر على الرسم و هي حصة تكميلية، و الأنشطة الأدبية و الفلسفية مقتصرة على أفراد، و كرة القدم هي المسيطرة على حصص الرياضة. أما في المجتمع فحدث و لا حرج، إنظر حولك و تمتع ! لابد من تبني هذه القيمة لأنها تُفرض الجميع على تقبل الآخر، فحرية الرأي تكون للجميع، و تصبح تسيباً عندما تتجاوز الآخرين ظلماً و عدواناً.
و أخيراً المنهج و السلوك، و يمثل الهوية و التميز. كل مجتمع أو فئة من المجتمع عندما تكون لها نهجاً تمشي عليه و سلوكاً يميزها عن غيرها، فإنها تخلق هوية جماعية تجعل التناغم يكون بالتنوع. فعندما يكون السلوك صحي و يتفاعل بطريقة بناءة مع العوامل السابقة، فإنه يتغير و يتطور و يتعلم من الأحداث و الأفكار التي يتفاعل معها في بيئته، و لكن عندما يكون نظام مغلق، فسيكون الحال كما هو عليه،كبعض فئات المجتمع التي لا تغير من سلوكها، حتى على سبيل التغيير أو التجاوز. تبلد السلوك ينطبق على المنهج أيضاً، فعندما يقدم المنهج تفاسير و حلول تقوم على تغيير حال الفرد أو المجتمع من حال إلى أفضل، ثم يتطور المنهج ليتناسب مع الحال الجديد و يقوم بخلق تفاسير جديدة، فإن عجلة الحياة تستمر و تصبح الإكتشافات و المنتجات الإبداعية طبيعة لذلك المجتمع.

الأخلاق، السُلطة، الحرية، و الفكر هيثوابت يقوم عليها أي مجتمع يهدف للبقاء و التطور، و ترك إحداهم يقضي على الآخرين مع الزمن. تخيلوا معي لو إستطعنا أن نخطئ و نعترف بكل أريحية، لتجد مجتمعك ينصفك أو يسامحك و يعمل على الإستفادة من الماضي و يكون التواضع و النقاش طبيعة مابين كل الأعمار و الفئات و يكون الإقصاء أكبر موبقة و ذنب يحاسب عليه القانون، لأن حرية الرأي قيمة يتربى عليها الصغار ويعمل على تطويرها و تنظيمها الجميع، و يكون التباين و التنوع في عاداتنا و تقاليدنا و مناهجنا الفكرية ميزة و هوية يتعلم منها الآخرون و يضيفون عليها لأن الإنسان هو أخو الإنسان. في بيئة كهذه، الشجاعة الفكرية هي ببساطة بصمة لهذا المجتمع و نتاج متجدد بصور متعددة. لن يختفي الخوف أبداً من مواجهة الأفكار الجديدة، و لكن عندما يصبح الخوف مُعطلاً لعقولنا و سواداً على قلوبنا، و جعلناه يكبر ليلعب دور الدكتاتورية و الفاشية، فسوف نهرب من المواجهة و التجارب الجديدة، و ستكون نهاية ذلك المجتمع قد تكون الإنتحار، لأن الإنسان لا يحتمل أن يعيش يومه و هو خائف من كل شئ بما فيه ظله، و يضيع معنى الحياة في أوهام ألفى عليها آبائه و أجداده. فلنخطئ و لكن نتواضع، و لنكذب و لكن نعترف، و لنتسامح فكلنا نخطئ و نصيب. سؤالي الذي أطرحه عليكم أصدقائي ، ماذا لو رأيت إمرأة تقود السيارة في نهار رمضان؟ ماذا لو كان هناك كنيسة في بلاد الحرمين؟ ما ردة فعلك لو علمت أن ولدك أو بنتك قد تم إغتصابهم مقارنة بإغتصاب طفل لا يمت لك بصِلة؟ ما هي ردة فعلك عندما ترى فقيراً يأكل من القمامة و ترى سارقاً ينهب عقول الناس و أموالهم و يخلق فيها الخوف؟ هل ستتفاعل مع موقف الفقير و تسكت على موقف السارق؟ لو علمت أنك مجرد مشروع منتج إجتماعي يسلب هويتك الشخصية هل ستحسب مقدار التعقيد لوضع خطة للحل أم تستسلم للعبثية و الضوضاء؟

نعوم تشومسكي، إسم في عالم الإعلام يحمل ما بين طياته تجربة عميقة، تجعل من تلقيبه المفكر الأكثرتأثيراً في الوقت الحاضر نتاج طبيعي لإعماله في مجال تخصصه كلغوي و نتاجه في الإعلام و السياسة. في مطلع شهر يونيو السابق حصل برفسور تشومسكي على جائزة سيدني للسلام و بجانب جوائز أخرى عديدة .” تصنيع الإجماع” هو عنوان كتاب لتشومسكي يشرح فيه طريقة السيطرة الإعلامية للشركات الكبيرة على الإعلام و كيفية تصنيع الإيدلوجيات لتناسب الأجندة التي تضعها الشركات الربحية. هناك فيلم وثائقي مستمد من الكتاب يشرح الأفكار الرئيسية في الكتاب؛ شخصياً لم أقرأ الكتاب بأكمله، و لكن الفصل الأول كان كافياً لأن يقوم بهدم نظرتي إلى الإعلام الرسمي بالإضافة إلى الفيلم الوثائقي. في الفصل الأول من الكتاب، يتحدث تشومسكي عن خمسة عوامل تقوم على فلترة الأخبار للتُعرض على الجمهور بالشكل المطلوب. أحد تلك العوامل هو مكافحة الشيوعية كآلية تحكم.، و هو العامل الذي سوف أقوم بإسقاطه على الإعلام السعودي. ، و لكن بالتأكيد لن يكون مثالنا هنا الشيوعية.

في الإعلام الأمريكي، يتم تصوير الشيوعية على أنها الخطر الأعظم على الولايات المتحدة لأنها تمس الملكيات الفردية و لأن أهدافها تعرقل النيوليبرالية القائمة على الجشع و السيطرة. مثال على ذلك هو إتهام بعض الجمهوريين لأوباما على أنه يريد تحويل أمريكا إلى دولة شيوعية عندما قامت الحكومة بدعم الشركات و البنوك المعرضة للإفلاس. هذا التصور المسبق الذي خلقه الإعلام قام بأدلجة فكرة الشيوعية في عقول الأغلبية بحيث أنه من السهل إلصاق وصف الشيوعية على النقابات العمالية و الحركات المعارضة للنيوليبرلية . العرب و المسلمون مثال آخر، فهوليوود و الإعلام الأمريكي قاما بترسيخ فكرة أنهم إما إرهابيين أو فاحشي الثراء. عندما يكون التصور المسبق مزروع في عقول الأغلبية، يتم إستخدام هذا العامل لتوجيه الآراء بسهولة لأن الفكرة دخلت نطاق الحقيقة المطلقة دون إسقاط أي منهجية نقدية أو شك يقوم على هز الفكرة و نزعها من جذورها. و إعلامنا ليس ملائكياً، إنما لدينا نفس تلك المنهجية التي تُطبق ليس على فرقة واحدة فقط إنما على كل من يحمل منهج أو فكر مُغاير للفكر السائد الذي تم تأسيسه و هندسته بشكل شمولي يجعل من محاولة التفاعل معه فكرة إنتحارية. في الفهم السائد، كل شيعي هو لأجندة إيران، و كل ليبرالي أو علماني مساند ليس فقط لأمريكا إنما .لليهود و من الماسونييين و لميكي ماوس على رواية البعض. ملخص الفكرة هو أن أي أيدولوجية تهدد مصالح النهب و الفساد في بلادنا و كل فكرة من شأنها أن تهدد الأفراد المستفيدين من الوضع الحالي سوف يقومون بمحاربتها سواء بإسم القانون أو الدين. هل حقوق العمال و الموظفين ستكون فكرة سديدة بالنسبة لتاجر جشع؟ هل مراقبة المنتجات الإستهلاكية مرغوبة لتاجر يبيع بضائع “مضروبة” أو مسروقة؟ هل الحياد و إظهار جوانب حسنة لليهود و الملحدين على مدى التاريخ فكرة مقبولة لدى التيار الديني؟ لهذا السبب لا تتوقع من المستفيد أن يضر نفسه بأن يبادر بالإصلاح، و لكن دون أي تدخل ! لا تتوقع منهم أي شي يا صديقي، لأن حتى فعل الخير مربوط بالنفع لديهم.

السؤال هو من أين أتى كل هذا؟ ماهي مصادر المعلومات التي قدمتها لنا هذه الأُطرالجاهزة؟ هل هي حقيقة أم وهم؟ و كيف لنا أن نعرف ذلك في إعلام يغلب عليه طابع الأحادية و يفتقد إلى عوامل يفتقدها الإنسان العادي من أهمها الحرية الفكرية. في الصحف، في بعض المنتديات، المكتبات، المدارس، والتلفاز، تستطيع معرفة أن كل ما تراه مؤسس و متناسق و لا يخرج عن أي إطار عام. قد ترى مذيعات و مذيعين يشتركون في تقديم برنامج واحد، مشايخ من مختلف المذاهب و لكن في النهاية يقفون عند خط فاصل من يتعداه (يروح ورا الشمس) و ما أدراك ما الشمس في ربوع بلادي. كلنا يعلم ما هو الخط الفاصل، لا أحد يتحدث فيه، لا أحد ينتقده، لا أحد يجرؤ على التكلم عن وجوده أصلاً، و لكنه في النهاية يحكم كل تصرفاتنا و سلوكنا. ما حدث في معرض الكتاب في الرياض مؤشر بسيط على مدى تقبل المجتمع أو فئة من المحتسبين لغيرهم ؛ من المستحيل أن يكون السلوك العدائي نحو الغير طبيعياً فقط لأنه مختلف . في المدارس، تم ذكر الأشعرية و المعتزلة و الصوفية و المعطلة و ميكي ماوس من الفرق الضالة (مسكين هذا من الفأر) دون ذكر أسباب الضلال و تأثير المسببات على المجتمع، لماذا ؟ ببساطة، هم ضآلين فقط دون أي أسباب. كل ما نقرأه كل ما نؤمن به من أفكار لابد أن يخضع لمنهج و لتقييم و إختبار للتأكد من عدم إختلال الفكرة و لإثبات صحتها،  لكن كيف لنا أن نفعل هذا دون أن نقرأ للرأي و الرأي الآخر، دون أن ننتقد و نسأل؟ يستحيل فعل ذلك.

التنوع هو صفة يُربى عليها الطفل من صغره، ألوان تراها على كل غلاف، التنوع حياة تسكن في قلوب الموتى، التنوع هو ثوب أزرق و عباءة مخملية، التنوع هو مسيحي سعودي عاش .الآمنا و مشاكلنا، التنوع هو كنيسة بجانب المسجد، التنوع هو الحب و القبول، التنوع هو الحياة. لابد أن يخضع الإعلام الرسمي لمنهجية نقدية و تقييم شديد حتى يثبت الإعلام حياده،لأن الجيل الحالي يلوم كل مصدر تشرب من نبعه الأكاذيب و الحقائق المكذوبة، تشرب منه الآحادية التي قتلت عقولنا و أرواحنا لنعيش في قبر متحرك. إذا لم يتواضع الإعلام لقرائه و يحترم آرائهم و مستوى فهمهم، فإن الإعلام في العقود القادمة سيكون مجرد متسكع يقف على أبواب الفضاء الحقيقي، الفضاء المتجرد من القوانين، الفضاء الذي وجوده متمركز مابين الخيال و الواقع، و عدمه هو أن يكون بقانون.

أنصحكم بقراءة الفصل الأول على الأقل هذا الكتاب و مشاهدة أفلام نعوم تشومسكي الوثائقية و محاضرته على اليوتيوب. أمثال تشومسكي هم من يستحقون أن نأخذ بأرائهم و نصل إلى مرحلة نستقي من بحورهم قطرات تروي القحط الذي نعيشه. أما بقنة و” بشكة” المُباهلين و أصحاب العشرين ألف فلورز في تويتر الذين يضيعون وقتهم في إرسال 140 حرف ليعبروا عن أفكارهم العظيمة بدلاً من النزول إلى ما يحتاجه الناس، فهم بعيدين كل البعد عن تشومسكي رضي الله عنه.  لم أقرأ كل كتبه بعد و لم أشاهد كل أفلامه الوثائقية، لكن تأثيره من خلال فصل واحد كان عميقاً و كافياً لأن يهز كل أفكاري حتى تستيقظ من سباتها و تعرف مقدار جهلها. شكراً لتشومسكي و تباً  لكل من يبيع قلمه و علمه و ضميره من أجل المال و الجاه. هذا الرابط وثائقي للجزيرة يقدم نبذة بسيطة جداً عن تشومسكي.

أود الإنسحاب بكل هدوء، دون أي ضوضاء، أترككم جميعاً أهلي و أصدقائي، سأفتقدكم من كل قلبي. لكنني فعلاً أعدت التفكير و النظر، وقفت مكان المنتحر. من زاويته إختفت الحياة، فوسع الكون إبتلع زيفها و بريقها. كل قطرة دمٍ شربتها الأرض فثملت، كل إبتسامة حزنٍ على وجه الأطفال أرتسمت، تركت ثقباً في قلبي الهش، و أرتطمت بعقلي فإلى الأعماق ترسلهُ، فلا أستطعتُ أن أملأ الثقوب، و عجزتُ أن أمسكَ بعقلي قبل الغرق، فلا أنا بالشاعر و لا الفيلسوف.

لم أيأس، و لكن الأمل أصبح بلا حدود، فأصررتُ أن أتجاوز الأفكار و المعتقدات، و آمنت أن في الموت، سر الوجود. ربما أكون مخطئاً، ربما أكون غبياً، لكنني بالتأكيد فعلت ما أريد، و جعلت روحي ملكاً لي، فلو كانت الأرواح مُلكاً لله لما كان هناك أرواحاً قبيحة و لما كان هناك شرٌ مستبد، و لكن الروح يا سادتي أمانة، و أن أرد الأمانة إلى صاحبها خيراً من أن أعطيه إياها مليئة بالدرن و الصديد. من منا لم يفكر بالإنتحار أو يتمنى الموت؟ و إن كان هناك من يرى في الحياة معنىً يتجاوز الخلود، فليته تحدث من قبل، و لكن دمشق، و القاهرة، و صنعاء، و طرابلس، و تونس و غيرهم قد هُدمت، لكن بعد أن أنتحر البوعزيزي، و لكل ثورةٍ بوعزيزي، و لكل بوعزيزي شعبٌ بأكمله.

لمَ الحياة إذا كان معناها الإستعباد و الخضوع؟ لمَ السعادة إن كان الحزنُ موجود؟ ألا يستحق الحزنُ أن يكون له مكاناً في الكون؟ ألم يُريكَ الحزنُ من أنت يوماً؟ ألم يقل لك الحقيقة دوماً؟ كُل الخلق يتعذرون به، أنه كان السبب في نسيانهم و تخاذلهم، و نسوا أن سرقتهم للإحلام، قد سلبت الأمهات كل مولود. إنني ذاهب، دون أن أكون آسفاً، فإن ربي رحيم، و ربكم شيطانٌ رجيم، يعطي للملوك أحلامهم و يسرق من الفقراء طعامهم، كل من يسئله يُحبس و يلقى في اليم، و من يتحدث بإسمه، فله جنةٌ و خلود. أما ربي، فضمن لي حقي، و أقسم أن يعدل و لو تبرأ مني و هجرني، فإلهي هو إله النور.

إلى اللقاء جميعاً، سعدت بمعرفتكم، و حزينٌ من أجلكم.

التوقيع: منتحر

(أغلب حالات الانتحار عندنا نتيجة أمراض نفسية، يسمع المريض أصواتاً تأمره بفعل..
يفعل المريض ما يملى عليه مع فقدانه الإحساس بالواقع!) – نايف قناص.

بغض النظر عن دقة المعلومة، لا يمكن تجاهل عمقها و حساسيتها و إستفزازها ل(ماذا) و أخواتها. كان رد هذا الطبيب على فؤاد فرحان -عميد المدونين- في تويتر، و من بين كل هذه التويتات اللطيفة في فجر يومٍ رمضاني ساخن، تلامس هذه الجملة مسامع عقلي و خيالي، و تجاوزت حدود الحروف إلى وسع المعاني. كل الأصوات، الحركات، الأفكار، و سأسميها هنا (معلومات)، سواء مجردة أم مركبة، أساسية أم فرعية، تلامس خيوطاً رفيعة في عقولنا و أوتاراً نائمة في مشاعرنا، تتباين ردة أفعالنا أو تفاعلتنا مع تلك المعلومات بالإستناد على عناصر إقتصادية، سياسية، دينية، نفسية..إلخ. في كل مرة نتفاعل مع تلك المعلومات فإننا نزرع فكرة جديدة أو نبني فوق تصورات مسبقة لدينا، و تعمل هذه المعلومات إما كنسمة هواء عابرة على سطح الماء، أو كزلزال يحرك كل أركان الأرض التي نطأها. ليس بالضروري أن ترى تأثير تلك المعلومات اليوم، فقد تراها مستقبلاً أو قد تودع الحياة و أنت تجهل ما تأثيرها عليك. بناءً على مقولة الدكتور نايف، هناك ثلاثة محاور سأتحدث عنها من منظوري الخاص؛ الأصوات الآمرة، فعل المريض، و الإحساس بالواقع.

عندما يصل الإنسان المريض إلى مرحلة يسمع فيها أصوات تآمره أو تقنعه بفعلٍ ما، فغالباً الوعي بالذات وصل إلى عمق سحيق يكاد النور يلامسه. فلو نظرنا إلى تلك الأصوات من منظور سلطوي، فهي كأنها قد أخذت عرش الإله و تلعب دوره بالنسبة لهذا الإنسان ! فعندما تصبح الفكرة مسيطرة و يفقد الإنسان القدرة على مواجهتها، فالإنسان هنا يفقد أهم ما عنده؛ يفقد الأداة التي تمكنه من التجريد، التفكيك، و التركيب، يفقد الكيان الذي يحتضن الكون الذي يراه، يفقد أعز ما عنده، يفقد عقله، العقل الذي يمثل الطفل المنبهر بما حوله، الشاب الباحث عن معنى وجوده، و الفيلسوف أو الحكيم الذي ينهل بمعارفه و تجاربه على وجوده. نستنتج بوضوح أن فقدان القدرة على إستخدام العقل المتفاعل المفكر و إنعدام السيطرة على كبح جماح الأوهام التي تهاجمه، فإن ذلك قد يؤدي بصاحبه إلى الجنون ثم الإنتحار. و الآن للنظر إلى واقعنا اليوم، هل نستطيع أن ننكر أن هناك ممارسات دكتاتورية “فكرية” على العقل بمعناه الوظيفي؟ أقصد بذلك أليس هناك “أصوات آمرة” تلعب دور السلطة المطلقة على العقل و تلعب دور الوصي، بل و تُقصي العقول الآُخرى؟ متى تبدأ هذه الأصوات في الظهور؟ هل من مرحلة الطفولة المبكرة في المنزل؟ أم من المدرسة؟ العمل؟ المجتمع؟ الدين؟ هل هناك تبعات تلعب وظيفة “الجلاد” و أن الخروج عن الأوامر يُخضِع للعقاب، و أن الطاعة للأوامر لا يستوجب الثواب؟ . ليس من الضروري أن تكون تلك “الأصوات الآمرة” أوهاماً، فقد تكون هي الواقع الذي يفرض نفسه على العقل الواقعي، بل و الخيالي، حتى يصبح العقل آلة ذاتية لتوليد الأفكار والسلوك اللذان يتفقان مع تلك الآوامر، دون الحاجة إليها (الأوامر) لتمارس فعل الأمر لأن تقديم العبودية سبق أمر الإستعباد.

أما فعل المريض، فهو متباين و عمومي و يصعب حصره كمصطلح لأن الفعل خاضع للوعي الإنساني و لعدة إعتبارات أخرى. و لكن لو نظرنا من منظور القدرة على الإختيار بغض النظر عن حالة الإنسان الممارس لحق “الفعل”، فإن هذا يخضع حتمياً لمنظور الشخص عن العالم و تفسيره للوجود و البيئة التي حوله. فعندما يفسر الدين الأحداث كلها، بما فيها وجود ذلك الشخص بأنها “قدر مكتوب” و فعل الإنسان عرضي و غير جوهري في المعادلة ككل، و بما أن الدين هو الأساس المركزي في تفسير مجتمعنا للوجود و الأحداث و نظرتنا لأنفسنا و أحكامنا على غيرنا، فإن الإنسان يفقد معنى العطاء و الأخذ لأن فعله و رأيه مجرد سراب في الصحراء. لو علم ذلك المريض أن أفعاله و قرارته تخضع لقانون كوني، و أن أي فعل ينتج منه فإن عاتق المسؤولية سيكون عليه، و أن المجتمع يضمن له الأمان فيما يتعلق بقرارته الشخصية و حرية إختياره، أما كان ممكناً في منظوره الوهمي أن يقف أمام تلك الأصوات الآمرة وقفة شجاعة، تجعل الوهم يخضع لقانون الحقيقية ! قد يكون هناك خلل وظيفي في العقل يؤثر سلباً على قدرة إتخاذ القرارات، و هو موضوع يخضع لأسباب أدت إلى نتائج سلبية، و لكن عندما تتوافق نتيجة المريض النفسي و الإنسان الطبيعي فهذا غير طبيعي لتوافر شروط العقل الصحيح عند الثاني و إنعدامها عند الأول. ببساطة، الإستسلام للوجود و لأفعال الوعي الخارجي دون مناقشة أو نقد و قبول المعلومات بأنها حقائق ثابتة دون محاولة التجريب، يؤدي إلى إلغاء الوعي لنفسه و الخضوع لنُسق محدد مسبقاً، و في بيئة كهذه فإن التنوع و التطور عملية مستحيلة، إلا بالخروج عن الفكر السائد. و الحمدلله نحن مجتمع متنوع و لسنا مجتمع آحادي الفكر، نستطيع أن ترى التنوع الإقتصادي، يسميها البعض طبقية للأسف الشديد و ينسوا أن وجود الفقراء هو تنوع مطلوب، فلولا الفقراء لدخل الكل النار، فالفقراء يدخلون الجنة! و لك أن تقبل هذه النتيجة و إلا ستسمع أصواتاً تأخذك إلى مكان آخر مع المنتحرين ! طبعاً بكل حُب و “إعتقال”.

و النقطة الأخيرة هي الإحساس بالواقع و هي محور تكميلي فقط و ليست محور أساسي، و لكن وجودها مهم في معادلة الإنتحار. عندما تخضع للأوامر دون نقاش و محاولة الإستنتاج الحُر، و عندما يكون فعل الإنسان مجرد صفر على اليسار، فكيف تتوقع أن يكون لك أي إحساس أو الواقع ! فالإحساس الذي يتعلق بالوعي، هو معرفة تنتج من القدرة على التفكير و التحليل المتنوع، فعندما تُقدم النتائج مستأصلة من سياقها و يُحفر خندق حولها و تلبس لباس القُدسية المطلقة، ففي تلك الحالة فإن المعرفة نفقد معناها و تتحول تلقائياً إلى جهل مؤسس يفسر الكون إستناداً إلى النتائج المُسبقة التي أُجلِست على عرش الحقيقية. أما الواقع عندما يفرض نفسه عليك و يستقصي أفكارك، فيتحول واقعك كَوعْي أو كتلة فيزيائية وجودها مفروض للإستمرارية .و لأنك نتيجة لمجتمع ككل و تفقد القدرة على التغيير، فوجودك أو عدمك سواء، و بهذا تقوم مقام النكرة، و لكن الفرق أنك تمتك الوجود نظرياً و لكنك نكرة فعلياً. و بهذا، فإن الإحساس بالواقع يتحول إلى التسليم للأوامر، عدمية الفعل، و العيش في أوهام، و مصطلح “الإحساس بالواقع” هو للذين يملكون القدرة على التفاعل معه و التحكم به ويقفون خارج منطقة النكرة.

لا تستغربوا من إنتحار بعض البشر، فليس كلهم مرضى نفسيين و قد فرض عليهم الواقع نفسه، فبعضهم إتخذ قراراً ناتج عن وعي متجاوز لفكرة الوجود، و قد قرر الإنتحار تقديراً لحرية إختياره و إحساسه بواقعه  و ثورةً ضد الأصوات الآمرة التي نتجت عن وعي متسلط، الوجود بأكمله متمركز على وجوده، ينظر إلى وعي الآخرين أنه صفر على اليسار، تكملة عدد،أو ناسك متعبد للوعي المتسلط يلعب مكان العلم تارةً ومكان الله تارةً أخرى، ينكر الألوهية لنفسه، و لكنه يثبتها فعلياً متمرساً بها على غيره من البشر. أعزائي،عندما يكون الإنتحار ناتج عن إحترام الذات و رفض الواقع، فإن المنتحر يثبت نقطة معينة للمستبد، كما فعل البوعزيزي بالضبط عندما قرر أن يحترم ذاته و ينكر إهانة الواقع له، وهي أن القدرة على الإختيار تشتمل القدرة على إختيار الموت للسفر من هذا الواقع إلى آخر. كأن البوعزيزي كان يقول (خذوا عربيتي و لكنني سأخذ وجودي معي). ففي كل مجتمع يُقتل العقل و تُغتصب الروح فيه، ليس بالضرورة أن يكون الإنتحارفيه دليل على اليأس من الحاضر، و لكنه الأمل في المستقبل، و لكن في مكان آخر، فعندما تقتل أفكارك فأنت تقتل نفسك و وجودك.

الرابط أغنية لفرقة (Alice in Chains)، مغني الفرقة إنتحر في 2002. ربما آخر جملة في الأغنية تعبر عن نظرته للوجود عندما فضل الموت على الحياة، إذا لم يستطع أن يكون الشخص الذي يريد، و هكذا حال البوعزيزي.

السرداب

August 9, 2011

سرداب طويل، لم أعي بنفسي متى دخلت فيه.

أمشي بخطى ثابتة لا تتغير يخضع لها جسمي و يتناغم معها

و لكنني لا أستطيع أن أخفي إعجابي بكل ما يمر بجانبي، أحياناً أستمتع بما أراه و أحياناً لا

عندما أتعثر أرى نفسي أنجذب للأمام لأكمل الطريق، ماشياً على رجلي أوحابياً على ركبي..لا يهم..لكنني أريد أن أكمل الطريق

أرى أُناس، بعضهم تستمر صورهم في مخيلتي و بعضهم لا يتعدى تواجده حيز جسمه

الأغاني التي أسمعها أحياناً صاخبة و أحياناً هادئة و أحياناً أستمع إلى السكون

عندما حاولت التوقف، أكتشفت أن السرداب هو الذي يسير وأنا الذي أحاول مسابقته

كم أنت إله

August 8, 2011

أبحث عن ذاتي ما بين جدران بيتي و أصدقائي، أبحث عنها في كلماتي في مجتمعي و تصنيفاته. رأيتها سعيدة ، ناجحة و محبوبة ، رأيتها مثال يحتذى به و مثال يُضرب به .توقفت قليلاً، ثم قررت أن أبحث عنها ما بين جدران عقلي و في غرف قلبي و ما بين كلماتي. كنت أبحث عن ذاتي، و لكن، من هي ذاتي ؟ و كيف سأعرفها عندما أراها؟ ماذا أريد منها؟
ترمي بي الأسئلة مابين الشرق و الغرب، تتصدع الأفكار و المعتقدات في رأسي، تتحرر من سلطة النص و المجتمع، سلطة الذات و الغير، تتحرر من كل شئ، ثم يأتي وقت النوم و يأتيني حلم كل يوم؛ شاشة سوداء خالية من كل التعابير و المعاني. أحسبُ معناها العدم، و لكن لما العدم أسود لما لا يكون أبيضاً، أم العدم دون ألوان؟ أستيقظ إلى الحلم الآخر، الذي أعرف نهايته و لا اعرف تفاصيله، ما إن أعي وجودي حتى أتذكر وداعي لهذا الوعي الجميل إلى وعي أكبر و أعمق، و أتجاوز المادة إلى العدم. سمعت أن هناك عالمٌ آخر، عالمٌ تجاوز العدم إلى الوجود و الخلود، عالم خُلقت فيه المعاني التي ماتت في أوطاني.

لن أعرف ذاتي حتى أعرف خالقها و سياقها، و هل تسكن في القطرات محيطات؟ و هل يسكن في الذرات أكوانُ ؟ كم أود أن أترك الجنة و النار، و أسأل الذات العظيمة لماذا خلقت المجرات و الكون و أخفت الأسباب؟ ما جواب أصل الوجود و الذات الأولى؟ كيف خُلقت الحدود و الأسباب؟ هل لأبليس توبةٌ من باب الرحمن؟ هل العدم حقيقة أم سراب؟ ما هي الخرافة و ماهي الأحداث؟ هل ما بعد الموت عملٌ و بناء؟ لا أريد أن أبقى صامتاً، خائفاً، تائهاً لا أعرف أن أدخل من أي باب، أريد أن أكون طالباً أبحث عن سبب الأسباب، عالماً بالحروف و اللغات و كيف سُجن العقل بالحقائق و القوانين، و تغلب الوعي الساكت على وعي الثرثار دون أي كلمات، فمجرد النظر إلى ذات الكون ، يقتل السؤال، ليبحث السائل عن الذات ساكتٌ و أي سكوت ذلك الذي يحتضنك ليشمل وعيك دون روايات، و يصبح السكون معزوفةٌ يتراقص الكون على نغماتها، و يكون الرد على كل سؤال، لتتوقف عن البحث قليلاً، و تعيش مع جواب الإله أحلى اللحظات، في إنتظار اللحظة التي يصطدم بها وعيٌ فوضوي ليرسم بعفويته تفاصيل الصمت، و يعزف بجنونه أحلى الأغنيات.

كم غريبٌ أنا في عالمك يا إلهي، أبحث عنك فتحجزني بكبريائك، أهمس لك بإسراري فتفضحني بصمتك و تبتسم لي في وجوه الأطفال… فعلاً كم أنت إلهٌ

اللهم دلني إلى سبيل الحق في نفسي بالحجة و البرهان، و اجعل السكينة و الحكمة النور الذي أرى به في ظلمات البحر، اقذف في نفسي الصبر على جهلي و جهل غيري، إلهي أجعلني أقف على شواطئ إعجازك و أرني مقدار معرفتي إلى جهلي رأي العين. اللهم إني كفرت بإسلامهم و آمنت بإسلامك، و تركت مساجدهم لأُصلي في محرابي، و أعتزلت الجمعة تسليماً لمقتضيات الإيمان بك، فكيف أُصلي مع الساكت عن الظلم و المغتصب للحق؟
اللهم إجعل الحق لساني، و الحكمة سلطاني، و القناعة مُلكي. ربي لو كان في جنتك ظالمٌ ممن ظلموا العباد و أغتصبوا البلاد، فإجعل العدم نهايتي، فإني أكره أن تكون رحمتك على من أشترى بإسمك و أديانك ثمناً بخيساً و أن أُخالط في جنتك من كفر بك في أرضك عناداً و إستكباراً، و لكن جهلي لا يستوعب رحمتك، و معرفتي عدمٌ إلى معرفتك. سبحانك إني مُنتظر أمرك، مسلِّمٌ لمقتضيات عدلك، مُتفائلٌ في قرارك و أمرك حاشاك أن ترد اللئيم فكيف بأحمقٍ مسكين!

ثقوب

August 2, 2011

عندما يفقد الإنسان قدرته على النظر من زوايا مختلفة إلى نفسه، يجعله حبيس نفسه و أفكاره لفترة طويلة، و لا أبالغ إن قلت إلى آخر عمره. بعد فتح التقديم لقرض العقار بدون أرض، تذكرت قرض الزواج الذي قمت بالتقديم عليه قبل سنة ونصف و قالوا لي وقتها : بعد 3 سنوات تستلم القرض، إن شاء الله. قرارات الملك ساهمت في تقديم الوقت بسنتين ! 3 سنوات على قرض الزواج ! جميل، ماذا عن قروض العقار و بنك التسليف ؟ يُقال أنها تحتاج إلى سنوات (البعض يقول 10 !) حتى تحصل عليه. نعم أنها ميزة جميلة، و لكنها ليست هدية، إنها قرض و مصيره الرجوع إلى الخزينة و هذا مؤشر على أنه في النهاية “قرض” و معناه أقساط و ما أدراك ما الأقساط. تلك القرارات هي مجرد آلية لتغطي وتملأ خلل إقتصادي في الزواج و السكن لفترة زمنية مؤقتة، و حتى يكون هناك تنمية مستدامة لابد من نظرة شمولية تنظر إلى جذور المشكلة و منابعها، فليس من المعقول إنتظار القرارات الملكية لإصلاح مشاكل تحت عهدة الوزراء و المسؤولين، و سكوتهم يضع الف خط و خط تحت صلاحيتهم و مدى قدرتهم على تدارك أي أزمات مبستقبلية، و لنا في كارثة جدة عبرة و مثال واقعي مُجرب لسنتين بالتتالي .أما بالنسبة للإبتعاث فمن المهم أن نعلم أن الإمكانات الموجودة تسمح بأن يكون لدينا جامعات أفضل من بعض الجامعات في بلدان الإبتعاث، بل و تسمح أن يكون هناك عقود طويلة الأجل مع جامعات عريقة مثل هارفرد و ستانفورد و غيرهم. لذا الإبتعاث بهذه الطريقة هو دليل على خلل آخر و هو التعليم. فلو كان هناك جامعات محترمة تحتوي على تخصصات مهمة تشمل العلوم الإنسانية التي هي من أهم العوامل التي تسهم في بناء حضارة و مجتمع مدني قائم على التنوع و تلاقح أفكار مختلفة من كل مكان. كأنني نسيت أن هناك من لديهم إزدواجية في المعايير. مثلاً، يستطيع المبتعث أن يختلط في الجامعة مع النساء و نفس الشئ للمبتعثة، و لكن في السعودية الحكم يختلف، فهو حرام، ما عدا جامعات الطب ! لا أستطيع الجزم، و لكنني أتوقع أن الفكر الرجعي التقليدي هو العقبة الأساسية لخلق علاقات إستراتيجية مع الجامعات العريقة و المؤسسات التعليمية، و من غير المنطقي أن تتوقف عجلة التنمية بسبب فكر آحادي و يتم تهميش باقي المجتمع. أن ما يجعل المواطنة و الإنتماء لوطن واحد حلماً و اقعياً، هو أن يتقبل هذا الوطن الإختلافات الأساسية و الفرعية في المجتمعات المتنوعة في داخل هذا الوطن، فبدونها الوطن هو وهم يعيشه المستبدين بآرائهم.

الشر لم يكن أبداً ضعيفاً و باهتاً كم يحب أن يراه الكثيرون ! الشر ذكي و متغير، يستطيع أن يستوعب المتناقضات و يستخدمها بحكمة ! نعم بحكمة، فهي ليست حصراً على أحد، إنما الغبي الذي يعتقد أنه يملكها.

الشر لا يلعب بقوانين، فقانونه الوحيد في ألعابه هي اللاقانون، فالقوانين للشر هي مجرد واجهة لتحركاته. الشر جذاب، بل لا أستطيع أن أخفي الحقيقة أنه من زاوية ما جميل ! لكن تلك الزاوية هي فقط عندما تنظر من الأسفل إلى الأعلى، فالشر يحب أن يكون محلقاً. أحمقٌ من كان يحسب أن الشر أحلامهُ صغيرة، فَمِن كُبرها لم تسعه الدنيا و ما فيها، لذا قرر أن يستولي على أرواح أهلها.

الشر يتلبس الأشياء، حتى يصبح جزئاً من كيانها و يسكن في مركزها. الشر لا يستولي على النتائج إنما على الأسباب. الشر يأتي بشكل الطفل الصغير الباكي الحزين، بشكل العجوز الضعيف الوهن،بشكل الرجل الجذاب و المرأة الجميلة.  الشر قد يكون إماماً عادلاً اليوم ليُمسي ظالماً مُستبداً، يُقِّبل أقدامك صباحاً حتى يدوس عليك ليلاً. الشر قد يكون صديقاً وفياً، أباً حنوناً، طفلاً بريئاً.

كم هو مسكينٌ هذا الشر، يبحث في أعدائه عن حاجته لأنه لا يملك أصدقائاً. ربما الشر كان يوماً من الأيام طفلاً مشاغباً لم يتقبله من حوله، فقرر الإنتقام. ربما الشر يحتاج إلى ضحكة أو حضن يعيد إليه الحياة. ربما فقد الشر أمه أو أبوه يوماً و لم يعرف معنى الحنان.

كم أُشفق عليك أيُها الشر، لم تعرف معنى الحياة إلا بقتلها، و لم تعرف معنى السعادة إلا بإغتصابها، تعلمت الكلام لتنطق معاناة غيرك، مشيت برجليك لتطئ رؤوس المساكين، تذوقت الفنون لترسُم بريشتك أقبح اللوحات و تكتب بقلمك لعنات الدهر تهديها إلى أطفال اليتامي و المساكين.

لا ألومك أيها الشر المسكين، إنما أريد أن أبحث عن الذي تركك و مضى و هاجر إلى أعماق الكون. أيها الحب أين أنتِ؟ لمَ أنتِ صامتة؟ أعندما يحتاجُكِ قرينك و عشيقك تتركيه؟ حتى لو كان غبياً و قرر أن يخونكِ مع نفسِه العاهرة، ألا تعرفين كم هو أحمق و ضعيف؟ أتعرفين ماذا سيحدثُ عندما يموت الشر؟ سوف تلومي نفسك على حماقاتك و أنانيتك و تصبحين شراً شديداً، يكتب أحلى الأشعار ليوصف جرائمه. لم أعهدكِ إلا حكيمةً صبورة، لا يقدرُ على تحريكك إلا الجمال و السكون و رائحة المسك و العود، دموعك ما هي إلا قطرات يرتشف منها الفلاسفة و الحكماء فنونهم، و رائحتك يستنشق عبيرها العاشقون و المحِّبون، و لا ينير القمر إلا بإبتسامتك و القليل من المجون.

إرجعي أيتها الجميلة، إرجعي و لو أراد الشرُ نفيك إلى عالم العدم من عالم الوجود. لابد من أن تقتلي الشر بإحضانك و كلماتك الرنانة، قولي له كم أنت تحبينه و تشفقي عليه، قولي له من أنت. قولي له أنك تكبرين بالبخل بأن تعطي، و تُحلقين بالعطاء بأن تكرِمي. لا تنسي أنك سر الإله جعلك في الكون ترياقاً للمرضى و كعبةَ للعاشقين، فلا تتركي الشر وحيداً و أقتليه بكل رحمة و رأفة، أحتضنيه و قولي له كم أنت تحبينه، حتى يموت من الهم، و يولد من جديد. أغرُزي خنجرك في قلبه بهدوء، فهو يستحق أن يعاني، و لكن ندماً على فراقك و ليس ألماً من طعناتك.

إنما شرور اليوم كانت إهمال الحُب بالأمس، فلا نجعل إهمالنا اليوم سبباً في جبروت هذا الشر. مستقبلنا حالكاً سواده، فلنرسم عليه لوحةً جميلة نُعلقها فوق الكعبة، فلسنا أقل من أصحاب المعلقات مهارةً، و لكننا بالتأكيد أقل منهم حياةً، فلنخلق اليوم حبُ الغد بإحياء اليوم، فأطفالنا يستحقون الكثير، من الحُب، و قليلٌ ،من الإهمال.

تجربة

June 8, 2011

لستُ بالكاتب الفذ و لا علَّامةُ زماني، و لكنني في أقل الحالات، كائنٌ مخلوق. حتى الإنسانية، أصبحت في هذا الزمن بعيدة عن مرمى الكثير ممن يدَّعون حمل إزرها. فالإنسانية اليوم على الرغم من مرورها بزمن أغبرٍ متقلبٍ فما زالت تُصارع من أجل البقاء، و كم هو مضحك أنها تصارع نفسها ! أن تكونَ إنساناً هو أن تحمل صفات تُميزك عن باقي المخلوقات، و لكنك لن ترى جميع المخلوقات و لهذا لنتعدى التميز بالمقارنة الشاملة إلى التميز بالمقارنة الذاتية. الفناء، التناقض، التعقيد، و التدرج صفات ذاتية في الإنسان أكادُ أجزم وجودها في كل البشر بدرجات مختلفة و تجارب عميقة تجعل من هذا المخلوق غريباً عندما يقارن نفسه بوعيه عن الكون.

كونياً، الشمس و القمر يتعديان الإنسان في التوازن الكوني، فعلى الرغم من إختلاف أوقات ظهورهما و بقائهما، فلم يسبق و أن أتى مخلوق أو كوكب آخر ليأخذ مكان أحدهما. لم يسبق و أن حصل أن السمك أصبح يتناقش في مواضيع حساسة مثل سواقة المرأة أو الإختلاط، أو أن الحمار قرر أن يحكم العالم بأن يتفق مع الأسد على التحكم في الإعلام ليسيطروا على إقتصاد الغابة، أو أن القرد قرر أن يفتي الحيوانات في كل شئ. لا أملك دليل قطعي على صحة إدعائي، و لكنني أٌخمن، فالحيوانات قد تنظر إلى البشر بتهكم أوعقلانية إستناداً على المعيار البشري!

عندما أضع نفسي مكان المتفرج على مجتمعنا ،فإنني إستشعر المقابلة و المواجهة بين فئات المجتمع كأن كل فرد يريد أن يميز نفسه عن الغير. عندما أتيت إلى الولايات المتحدة كنت أتوقع أن تكون تجربتي عميقة فيما يتعلق بالمجتمع الأمريكي، و لكن لأنني لم أختلط مع أشخاص من مختلف المناطق في السعودية، تحولت التجربة إلى التعمق في التجربة الثقافية مع أبناء وطني، و كم هي تجربة فريدة بالنسبة لي. رأيت العنصرية الدينية تتمثل في المواجهة الواضحة مع أخواننا الشيعة. لقد صُدمت بأن هذه الجملة ترددت على مسامعي بطريقة متكررة و بنفس اللفظ (الشيعة أخطر من اليهود على المسلمين !) (هذه نهاية اليوتيوب)، و عندما أقول متكررة فهي تتعدى العشرة مرات من أشخاص مختلفين. لن أتعمق في الأفكار المتكونة عن الشيعة في وعي الأغلبية، لكنه بالتأكيد تصورات خلقت حواجز كافية ليأخذ موقف الخصم في معركة لا تنتهي. نظرت إلى أخواننا الشيعة فرأيتهم متنوعين مختلفين في طريقة حياتهم. يعانون من قلة الموارد المتوفرة لأطفالهم كما يعاني أهل السنة، يضحكون، يحزنون، يفرحون، مثلنا مثلهم، حتى المشاكل مع الملحقية الثقافية السعودية هي نفسها الذي يعانيها الجميع. لا أدري أين الخطر منهم هنا حتى يصبحوا أخطر من اليهود. و طبعاً هذا المثال يستند قطعاً بأن اليهود هم خطر لا ريب فيه إستناداً إلى الآيات القرآنية المختلفة، و كأن القرآن قد ذكر خطرهم بالعموم دون تخصيص، و كم من يهودي أتخذته شيخاً لقولهم الحق و بحثهم عن الحقيقة. طبعاً هذا التشبيه الظالم للشيعة و اليهود يخرج من ألسنة فئة تفترض أن المسلمين هم شعب الله المختار، أما باقي الإنسانية هم إختاروا الله و لهذا هم أحق منا به و بعدله.

عندما نظرت إلى البعض الأخر الذي يتحدث بلسان الفتاوي، و ياله من صنف أقل ما يقال عنه (شنيع)، فالعقل مُغيب عن التفكير المنهجي في بعض المسائل، و أحياناً هناك منهج قوي و مؤسس، طبعاً على أُسس الجهل و الكهنوت الديني. فمثلاً، أحد الشنيعين أبدى رأيه في قصة خيالية تتحدث عن إنقاذ رجل  لزوجته من الموت بسرقة دواء من صيدلي يملك الدواء و لكنه يحتكره بحيث أن الأغلبية لا تستطيع توفيرسعره. فالأخ الشنيع قال (لا يسرق لأن السرقة حرام، و لكن بالمال الذي يملكه يذهب ليتزوج إمرأة أخرى). طبعاً دخلنا في نقاش إنتهى بأن الزوجة التي تصارع من أجل الموت خرجت من المعادلة و أصبحت المصيبة الكبرى هي السرقة، أما تبريرإحتكارالصيدلي للدواء فهي حرية الرأي. وبعض الأشخاص الآخرين يملكون بجاحة تتعدى بجاحة الكثير من المسؤولين، فكنت أتحدث مع أحدِهم وكان رأيه عن النساء السعوديات أنهم مقرفين، ثم نظر إلي و أردف قائلاً: (الله يعينك متورط) و لم ألحظ فيه أي إحساس أو حرج ! لا أود التحامل لكنني كنت أعُول على المبتعثين الكثير.

ما لاحظته هو أن صراعاتنا الداخلية أصبحت واضحة للعيان و لهذا الكثير من المسؤولين في هذا المعهد الصغير يعرفون أن هناك مشكلة في الإختلاط، فأصبحوا يحترمون هذا الشئ على أنه أساس ديني و أصبحوا في ورش العمل يفصلوا بين الجنسين . أصبحوا يعرفون أن هناك تقسيم على حسب المناطق الجغرافية،  ثقافة المنطقة، و على حسب المذهب و الحالة الإجتماعية، و المشكلة هي ليست في التقسيم و لكن في المواجهات العدائية بيننا لعدم تقبلنا التنوع الذي بيننا. لقد نجحنا في أن نجعل الفتاوي سبب في الفصل الإجتماعي و المذهبي، نجحنا في أن نُخبئ عيوبنا بالكذب و التجاهل، نجحنا في تجاهل ما يحصل في وطننا الحزين على أنه مجرد وضع طبيعي، نجحنا في نشر غسيلنا أمام الكل و لكننا ننكر أنه متسخ.

ما أراده الكثير من الفصل و المواجهة بين طبقات المجتمع قد تحقق و هو واقع لا يمكن إنكاره، و أصبح نقاش هذه المواضيع مسألة حساسة بسبب التصورات المُسبقة عن الآخر.

لست حزيناً لما يحدث الآن، و لكن عندما أتخيل المستقبل، فإنني آراه مظلم، قبيح، و يبعث بالتشاؤم. , وبعد فتوى اليوم أريد أن أسأل شيوخنا الأقطاب الأغواث، منابر الأنوار و أصحاب الأسرار البهية و المهارات الخفية – قدس الله سرهم و رزقنا شفاعتهم – و جعلنا الله نسبقهم في توديع هذه الدنيا الفانية حتى لا يبقى غيرهم ليستفتوا أنفسهم : ما حكم الإختلاط عند الغرب الكافر لغرض الدراسة، علماً بأن برنامج الإبتعاث هو تحت رعاية الملك عبدالله و الحكومة السعودية؟ و إلى مولانا -لا أستطيع أن أذكر أسمه لقدسيته و مكانته -قدس الله سره ، ما رأيه في أن نطلب من جامعات العالم أن تفصل الجنسين في الصفوف أو تقوم بإنشاء جامعات خاصة للسعوديات حتى لا يفتنونا في ديننا أو يكون ذلك سبب في إرسال السخط على الغرب الكافر، علماً بأنه في خلال فترة الشتاء و الربيع التي عشتها هنا، لم تغرق المدينة التي أسكن فيها ولا مرة، و لم تكن الثلوج سبب في حبسنا في بيوتنا، على الرغم من أنهم يسكرون و يختلطون، ليس هذا فقط و لكن أيضاً يستضيفون ليدي جاجا و ما أدراك ما ليدي جاجا يا مولانا، ربما لو عرفتها لعرفت كيف يبدو مستقبلنا، لو إستمرينا على نهجك و أصحابك؛ رضي الله عنكم و أرضاكم و جعلنا في جهنم تشوى جلودنا لتنعموا أنتم بالحياة السرمدية في الفردوس الأعلى على السرر و الأرائك متقابلين، طبعاً مع الحور العين؛ أما نحن، فيكفينا جهنم و بئس المصير فحتى النار تكريم لنا لأنها تعترف بوجودنا كمخلوق و ليس كرقم يُضاف إلى عداد الغرقى. كم أستفقد وطني، الذي لا أعرف مكانه على الخريطة، ربما وطني هو خيال خلقته حاجتي لصديق يستُر عيوبي، و لكن لا يراقب عيوبي إلا وطني و لا يهتك أسراري إلا وطني. اليوم، وطني هو العدَم و حُلمي هو الوجود، لكن ليس على أرض تطئها أقدامك الطاهرة.

سلام عليكم دار قوم تائهين، أنتم السابقون و اللاحقون و كل شئ تريدون.و في الختام، صلى الله عليكم و على آلكم و أصحابكم و صحباتكم و أحبابكم في السر و العلانية و من تبعكم إلى يوم الدين ، و سلامً على المُندسين و الحمدالله رب العالمين. نقرأ سورة العصر على أرواح أوليائنا قدس الله سرهم:

 ( والعصر * إن الإنسان لفي خسر * الا الذين امنوا وعملوا الصالحات * وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر )

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.